محمد جواد مغنية
68
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )
لأن كل جسم لا محالة إما أن يكون ساكنا ، وإما أن يكون متحركا . ومعنى سكون الجسم كونه في مكان واحد أكثر من زمان واحد . ومعنى حركته انتقاله من مكان إلى مكان . والسكون والحركة من الأمور الحادثة ، لأن كلا منها يزول ويتبدل ، فالمتحرك قد يسكن ، والساكن قد يتحرك ، والقديم هو الثابت بطبعه على طريقة واحدة لا يتغير ولا يتبدل . ثم إن الحركة مسبوقة بحركة قبلها ، وكذلك المكوث في المكان الواحد مسبوق بمكوث قبله ، أي أن المكوث في اللحظة الثانية مسبوق بالمكوث في اللحظة الأولى ، وكل ما سبق بالغير فهو حادث . وإذا كان السكون والحركة حادثين ، والجسم لا يخلو عنهما - لزم أن يكون الجسم محلّا للحوادث . وإذا كان محلّا للحوادث فلا بد أن يكون حادثا . ولو افترضنا أنه غير حادث لكان معنى هذا أنه وجد في الأزل قبل الحركة والسكون ، وان الجسم قد مضى عليه أمد لم يكن ساكنا فيه ولا متحركا ، وهو محال . وعليه تكون الأجسام حادثة . وسلك فيلسوف العرب الكندي طريقا آخر لإثبات حدوث العالم ، قال : كل جسم موجود بالفعل أو سيوجد فهو متناه ، ويستحيل أن يكون سرمديا وباقيا إلى الأبد . واستدل بالدليل المعروف عند الفلاسفة ببرهان التطبيق الذي اعتمدوا عليه لبطلان التسلسل وعدم التناهي في الزمان الماضي ، فاتخذ الكندي منه دليلا على التناهي في المستقبل أيضا ، ويتلخص : في أننا لو فصلنا جزءا محدودا من الجسم المفروض أنه لا نهاية له ، فالباقي من هذا الجسم إن كان متناهيا فهو المطلوب ، وان فرض أنه غير متناه ، وأرجعنا إلى الجسم الجزء الذي فصل منه يكون معنى ذلك أن الجسم بعد أن اقتطعنا جزءا منه كان غير متناه ، وانه بقي كذلك غير متناه أيضا بعد أن زدنا عليه ما أخذنا منه أولا ، ولكن هذا الجسم